العنصرية والأنانية هما أسُ الدَاء(4)

الكلية الحربية والجيش السودانى:
أكرِّر ما ذكرت فى مقدِّمة هذه السلسلة، وأقول أنَّ الجيش السودانى مؤسسة يستخدمها المركز فى ممارسة وتكرِّيس العنصرية والأنانية فى حكمِ السودان، وحارساً أمينا لدولة المركز الظالم عبر العصور.
وهناك نماذج لوفاء أهل المركز وحمايتهم لهذه المؤسسة العسكرية القابِضة، والمحافظة عليها لتحْرِس دولة المركز وتحمى سياساتها العنصرية، وتغطِى على أنانيتِها فى الإنفراد بالسلطة والثروة وجهاز الدولة. ومثال طازج لذلك، أمين حسن عمر يصرخ فى وجه الوزير/ بحر إدريس أبوقردة، قائلاً بلا وَجَلْ: (نَحْنُ صَنَعنَاك!)، وباقى الجملة طبعاً معروفة. لكن السؤال: صنعوه فى أى مصنع؟ “جِيَاد” أو “اليرمُوك”؟.
وأبلجَ نموذج لوفاء أهل المركز وتنظيماتهم لمؤسسة العسكر يتمظهر فى إنكشاف قِناع الإمام الصادق المهدى، آخر رئيس وزراء مُنتَخَب أطاح به عسكر(الإنقاذ)، ويقوم الآن بتدريب أحد أبناءه على الحكم داخل القصر الجمهورى مُساعِداً لرئيس الدولة! ولمَّا تسرَّب نبأ “زَنْقَة” الرئيس عمر بشير فى جوهانسبيرج بصدور قرار المحكمة العليا هناك بتوقِيفه توطئة لتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية، لاهاى- هولندا.
خرج الإمام الصادق من ملجأه صائحاً بأعلى صوته عبر خطاب أرسله لإجتماع قِمَّةِ القادة الأفارقة المُنعقِد فى جنوب أفريقيا: لا تسلِمُوا الرئيس عمر بشير إلى المحكمة الجنائية الدولية!. والمُفَارقة أنَّ الإمام الصادق لا ولم ولن يشعر بأى غضبٍ أو غبن من حقيقة أنَّ العميد عمر بشير قد اطاحَ بحكمِه الشرعى وهو رئيس الوزراء المُنتخب ديمقراطياً. أطاح به (الإنقاذ) عبر إنقلاب مشئوم ليلة 30 يونيو 1989م! لم يشعر الإمام الصادق طوال رُبِع القرن الذى مضى على نزعِ الحُكم منه بأى ظلمٍ أو غضب أو غبن تجاه الجنرال/ عمر بشير إبن المؤسسة العسكرية السودانية حامية حِمَى دولة المركز لحساب عرَّابِه دكتور الترابى الذان اطاحا بحكومته المدنية الديمقراطية المنتخبة!.
ليس ذلك فحسب، بل توسَّل الإمام الصادق لوقف إجراءات القبض على رئيس السودان وتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية التى تطلبه بتهمة أنَّه قتل وأباد نصف مليون مواطن فى إقليم دارفور، غالبيتهم العظمى حَوارِيُون فى “كيانِ الأنصار” الذى إمامَه الصادق المهدى، وأعضاء فى حزبِ الأمَّة الذى زعيمه الصادق المهدى أيضاً! وأولئك الضحايا هُمْ من ساندوه فى انتخابات 1986م بعدد خمسين نائب برلمانى، قاموا بدورهم بإنتخاب السيد/ الصادق المهدى زعيم حزب الأمة القومى رئيساً للوزراء!. معادلة تُثِير الدوَّار والزغللة و”الحَوَصْ” أليس كذلك؟ لكن هذا هو السودان! وقلت من قبل أنَّ السودان لا يمكن وصْفَه بأنَّه دولة.
ثمَّ إلى الكُلّية الحربية، والمؤسسة العسكرية السودانية:
لا يهُمَّنِى نشأة وتطوّر الكلية الحربية السودانية Genesis & evolve، لأن جُلَّ إهتمامى فى هذا الجزء ينصبّ على كيفية القبول فى هذه الكلية “العجيبة”، مقارنةً بإجراءات وشروط القبول فى الجامعات والمعاهد العليا السودانية والكليات التقنية الأخرى.
يَجْدُر بالذكر أولاً، أنه حتى وقت قريب كانت الكلية الحربية السودانية توازى المعاهد التقنية ذات السنتين مثل “معهد القرش الصناعى” و”معاهد تدريب المعلميِّن” و”معهد البريد والبرق والهاتف”، و”معهد ود المقبول” وأى معهد آخر من معاهد الكليات التقنية التى تُخرِّج مهنيين وفنيين مَهَرَة فى المجالات المختلفة، هذه واحدة.
الملاحظة الثانية هى أنَّ دخول الكلية الحربية رغم أنه يتم بالحصول على الشهادة الثانوية السودانية لكنها لا تأتى فى مقدمة الجامعات والمعاهد العلمية والمهنية التى يتسابق الطلاب فى التنافس لدخولها. لذلك يدخلها- الكلية الحربية- طلاب يقبعُون فى ذيلِ كشف الناجحين فى “امتحان الشهادة السودانية” بدرجات نجاح متدنية نسبياً (50-55%).
إذاً، الطلاب الذين يدخلون الكُلّية الحربية، عادَةً، هم طلَّاب لم تؤهِلهم درجاتهم ونِسبِهم المئوية من دخولِ الجامعات السودانية الكبيرة، وكذلك درجاتهم لم تُمكِّنَهُم من المنافسة فى المِنَح الدراسية المقدَّمة للسودان من جامعات الدول العربية مثل: مصر والمغرب والجزائر وليبيا. وفى خاتِمة دخول مؤسسات التعليم العالى يتقدم الطلاب ذوى الدرجات العلمية الدُنِيا لدخول الكلية الحربية وكلية والشرطة والسجون وحرس الحياة البرية.
ولكن شروط القبول فى الكلية الحربية والكليات العسكرية السودانية هى بيت القصِيد، لأنَّها البوَّابة التى يتم من خلالها السيطرة على حُكمِ السودان. هى كلية/ات خاصة Exclusive وحصرية لأهل المركز حيث يمُرّ الطالب المتقدم بعدد من “أعناقِ الزجاج” الغريبة التى لا تُطبَّق عند القبول فى الجامعات والكليات الأخرى، وتُطبَّق فقط فى الكلية الحربية والكليات العسكرية الأخرى، وعبر المراحل التالية:
الأولى: بعد التقديم يخضع الطلاب لبعض الإختبارات البدنية والطبية الضرورية لطبيعة العمل العسكرى. وهذه لا إعتراض عليها، وأولاد الهامش السودانى أوفر حظاً فيها من أبناء المركز، ويجتازونها بنسبة نجاح 100%!.
الثانية: وفيها يبدأ الظلم والتمييز ضد أبناء الهامش بإشتراط حصول الطالب المتقدِّم على توصية/ تزكية من ضابط عظيم فى الجيش برتبة كبيرة! وهنا يبدأ تطبيق”قواعد إشتِباك” المركز فى إحتكار المؤسسة العسكرية “مفتاح” حُكم السودان. ولإستحالة إستيفاء أبناء الهامش لهذا الشرط، التزكية/ التوصية، يتساقط أكثر من 80% من أبناء الهامش “الأكْفَاء” المتقدمين للالتحاق بالكلية الحربية والكليات العسكرية الأخرى. فمن أين لأبناء الهامش الحصول على تزكية من ضابط جيش”عظماء” وأبناء الهامش لم يتم قبولهم فى هذه الكلية منذ البداية؟.
الثالثة: المرحلة الثالثة من إجراءات القبول فى الكلية الحربية هى ما تعرف بمرحلة “مقابلة” القائد العام للقوات المسلحة، وفيها يقابل الطلاب الذين تأهَّلوا إلى هذه المرحلة سعادة القائد العام للجيش السودانى، كل بمفرده In Camera. والغرض منها القيام بالمراجعة الأخيرة The final cross check من رأس المؤسسة العسكرية السودانية لتأمين أنَّ الذين تم إختيارهم لدخول الكلية الحربية، والكلّيات العسكرية الأخرى قد إستوفوا الشرط الأساس وهو: أنْ يكونوا من أبناء المركز الحاكم، أو من الموالين له من أبناء وكلاء المركز فى هوامش السودان، مثل أبناء الإدارات الأهلية وزعماء القبائل! وفى هذه المرحلة الأخيرة”مقابلة القائد العام” يتساقط أبناء الهامش الأكثر كفاءة وإستيفاءاً لشروط القبول، بعد أنْ إجتازوا المراحل السابقة بكفاءةٍ عالية.
ومقابلة القائد العام تأتى لضمان تأمين مبدأ المركز فى حكم السودان منْفَرِداً: وخَلَفَ من بعدِهم خَلْفٌ أضاعوا العدالة كأساس متين للحكم، واتَّبعُوا إرثِ من سبقَهُم فى تثبيت حُكمِ السودان لأهل المركز،عسكر أو مدنيون. لذلك بقيت النِسَبْ فى الجيش السودانى والشرطة مُخْتَلّة دائماً، وعلى النحو الآتى:
97% من ضباط الجيش السودانى”خريجى الكلية الحربية” من أبناء المركز، بينما 95% من جنود الجيش السودانىFoot Soldiers من أبناء هوامش السودان، كردفان، دارفور، النيل الأزرق، الشرق. فهل يمكِنُنَا تسمية السودان دولة سَوِيَّة كبقية دول العالم؟
ويجْدُر بالذِكر أيضاً، أنَّ هذه النسبة فى الجيش السودانى ثابتة حتى فى حالة الضبَّاط الذين نفَّذوا إنقلابات عسكرية (ثلاثة مرات) تجد نسبة ضباط الإنقلاب من المركز 97% ومن الهوامش 3% وهى نسبة(عادلة) للغاية مقارنة بجملة عدد الضباط السودانيين وتوزيعهم الجغرافى والديموغرافى! ولكنها نسبة تُعبِّر عن الخلل الأساس والجوهرى الذى قام على العنصرية والأنانية التى صاحبت ميلاد دولة إسمها السودان. هذا، والإنقلابات العسكرية التى قادها أبناء المركز فى الجيش السودانى تسمى “ثورة/ات”.
ولكن بالمقابل، كل المحاولات الإنقلابية التى قادها أبناء الهامش كانت مستهجنة ومجرّمة من أهل المركز،بإعتبارها ومؤامرة/ت أجنبية، مثال ذلك: حركة 1924م، الحركة الوطنية 1976م “محمد نور سعد” أسماها أهل المركز حركة “المرتزقة” ونكَّلوا بمن قاموا بها تنكِيلاً، فى حين أنهم يعلمون جيداً أن الثوار كانوا سودانيون. وكذلك حركة المقدم/ حسن حسين عثمان، والمحاولة التى رعاها الأب فيلب عبَّاس غبوش، كلها تُنْعَت بغباء، أنَّها محاولات إنقلابية عنصُرِيَّة، ومؤامرات أجنبية!.
حتى حركات الكفاح المسلح التى انتظمت هوامش السودان منذ 1983م ظلّت تُوْسَم وتُنْعَت من المركز بأنَّها حركات عنصرية، ترعاها وتُسلِحُها “الغرب” وإسرائيل، ويقودُها عُملاء عنصريون وقطاع طرق. وتواجَهْ عسكرياً بواسطة المؤسسة العسكرية لحامية دولة المركز حتى لا تُوصِل تلك الحركات صُوتها ورسالتها حول الخلل البِنيَوى فى قيام ونشأة الدولة السودانية!. ولكن الحقيقة أنَّ كل ذلك الحِراك قام وإستمر لمواجهة الظلم العنصرى والأنانية التى ظلَّ يمارِسُها دولة المركز ضد الآخرين طوال تاريخ السودان الحديث.
وأعتقدُ أنَّ التدريب فى الكليات العسكرية يُبِيح إحتقارِ المدنيين، ويُطلِق العسكر عادةً لفظ “مَلَكِى” على أى شخص مدنى، ويَجْهَر العسكر بإزدراء المدنيين مهما عَلَت مكانتهم وعِلمِهم ومواقعِهم الأدبية والإجتماعية، المهنية والوظيفية.
فى السودان عادَةً ما يزدَرِى ضابط من أبناء المركز برُتبة الملازم مثلاً، أكبر عالِم أو تاجر أو رمز مجتمع من أهل الهامش، وتصل الزِراية فى أوْجِها إلى درجة الشتْم والضرب بلا حسيبٍ أو رقيب، وعلى رؤوسِ الأشهاد، فى ظِل تغييِب تام لحكم قانون يَحْمِى ويزود عن الحقوق المدنية.
تتمركز المؤسسة العسكرية السودانية (الجيش) فى قلب العاصمة الخرطوم بكل وحداتها، وتحتل “وحدات” الجيش مواقع إستراتيجية من العاصمة، وقيادتهم العامة ملاصقة لجامعة الخرطوم، أعرق جامعات السودان. بحيث صارت الجامعة هدفاً عسكرياً دائماً وفق قواعد القانون الدولى الإنسانى التى تشترط التفريق التام، وعدم الجمع بين الأهداف العسكرية والمدنية.
والجيش السودانى لا يقومُ بما تقومُ به الجيوش عادةً من حماية البلاد والعِبَاد والمكتسبات، وصون الكرامة الإنسانية للمواطنين. الجيش والعسكر فى السودان مُهمَّتِهم المقدَّسَة هى حماية دولة المركز، وتطويع وتركيع وإخضاع بقية شعوب السودان لحكمٍ المركز. وقمع وردع وإبادة من تُسَوِّل له نفسه الإحتجاج أو الخروج على حُكمِ المركز أو المساس بمكتسباته. لذلك جيش السودان وبقيه عسكره هم أكثر جند الدنيا فتكاً بمواطنِى بلدهم المُهَمَّشِين.
إستمْرَأ الجيش السودانى قتل شعوب السودان فى الهوامش المختلفة مع ضمان الإفلات من العقاب! فكَمْ عدد الأنفس البريئة التى ازهقها جيش السودان ومجاهديه فى الجنوب طوال عُمر الحرب، وفلَتَ الجُنَاة من العِقَاب Impunity ؟ وكم قتلوا فى دارفور خلال عِقِدٍ ونصف الأخير؟ ولكن فى دارفور لم يفلتوا من العقاب لأن العالم المتحضِّر كشف خططتهم فأنشأ “المحكمة الجنائية الدولية” فأحَالَهم إليها مجلس الأمن، ويتصدَّر كشف مرتكبى الفظائع والإنتهاكات فى دارفور رأس المؤسسة العسكرية، وهو أيضاً رئيس السودان!.
ومنذ منتصف العام 2011م يقتل الجيش السودانى ومليشياته أهالى جبال النوبة الأبرياء فى جبالهم الجميلة الوادِعة، يُلقِى على رؤوس الأطفال والنساء وكبار السِنْ حِمَمَاً من جحِيمِ القنابل الحارِقة والعنقودية، تُلقِيها عليهم طائرات النظام العنصرى، الأنانى والحاقد.
لذلك، أى تغيير أو تطوير أو تأهيل لمستوى الحكم فى السودان يجب أن يبدأ بالمؤسسة العسكرية السودانية التى تأكُلْ منذ خروج المستعمر الأجنبى أكثر من 70% من موارد السودان لقمع وقتل وإبادة شعوب الهامش وتهجيرهم، وهدرِ كرامتهم الإنسانية لحماية أهل المركز وتكرِّيس حُكمِهم الفاشِى البغيض.
أياكم أنْ تصدِّقوا المسرحيات التى تُعَدْ وتُخْرَج بدِقّة متناهية من تنظيمات المركز المُتحكِّم فى رِقَاب أهل الهامش، بأنَّ هناك خِلاف فى الوجدان أو الرُؤية أو السياسة أو البرامج بين المؤسسات العسكرية والتنظيمات السياسية والمدنية لأهل المركز السودانى. والأدلة على ذلك بعدَدِ الحصَى.
(فى جزءٍ خامس نتناول العنصرية والأنانية فى الأحزاب السياسية السودانية، وحركات الكِفاح المُسلّح)

abdelazizsam@gmail.com

شارك هذا الموضوع:

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*