فى ذكرى ثورة التحرير: العنصرية والأنانية هما أسِ الدَاءَ (2)

بقلم/ عبد العزيز سام- 5 أغسطس 2015م
أوردتُ فى الجزء الأول بعض المقترحات، وأسئلة وخواطر عامة، ومحاولة إيجاد تعريفات جديدة لبعض المؤسسات العامة التى تم إستغلالها للهيمنة على السلطة والثروة لمصلحة أهل المركز، وإستخدامها لقمع بقية السكان خارج دائرة المركز.
وسألتُ سؤالاً مُهِمَّاً ينبنى عليه مستقبل السودان القادم أو ينفضّ سامِرُه. والسؤال موجَّه تحديداً لأهل المركز الذين إحتكروا حكم السودان بالحديد والنار، وإستغلوا موارده وقمعوا بقية السكان عبر المؤسسة العسكرية بنت الكلية الحربية السودانية عبر العصور والأزمان.
وسيبقى هذا السؤال هو “الوِتِد” الذى يدور حوله فكرة هذا العمل: هل بالإمكان تحقيق دولة سودانية عادلة بعناوين حقيقية؟ ماذا يرى الذين زوَّرُوا تلك العناوين؟ وهل ما زالت مصلحتهم مرتبطة بذلك الجُرمْ إرتباط الحذاء بالقدم؟
هل العودة إلى جادَّة الطريق تتناسب ومصالح أهل المركز؟ وما هى خياراتهم الأخرى غير الإستمرار فى هذا الوضع المِعْوَّج؟ وهل أهل المركز مستعِدُون لإفناء إرثهم المُخجِل وترك السودانيين ليبدأوا فى تكوين دولتهم العادلة على الحق والعدل والقِسط؟ وذلك ليس فقط الاحتمال والأكيد والممكِن، ولكنه الخيار الحتمى فى خاتمة المطاف، أو الطوفان!
سيعود كل السودان ليتحد ويتوحد مرَّة أخرى على مبادئ وقيم وأهداف عادلة عدا المركز الظالم هو الذى يجب أن يذهب بأفكاره ووجدانه السقيم وأمراضه المزمنة من حيث أتى، ويعلم الجميع من أين أتى هؤلاء! ولا اقصد بـ “هؤلاء” أهل الإنقاذ، ولكن أهل المركز الذين انجبوا “عصابة الإنقاذ” الوجه الحقيقى للمركز بدون أى “كريمات” أو مساحيق تجميل. الإنقاذ هو نموذج المركز، فى زمن الوعى، بكلِ قبحِه وأى حديث خلاف ذلك مردود على قائله حتى يسوق الدليل على صحته.
وهل أهل المركز مستعِدُون لترك الأنانية؟ وسأكتبُ فى حلقات قادمة نماذج معاشة، تمشى بين الناس لأنانية أهل المركز، لكن الآن نسأل فقط: هل بإمكان أهل المركز فطم أنفسهم من الأنانية والظلم بعد طول رِضاع؟؟ هل ذلك ممكن لمن شبَّ وشاب على تلك الموبقات المُهلِكَة، وقد ورَثَها أباً عن جِدْ؟.
لكنَّ أهل المركز هؤلاء طفقوا، طوال تاريخهم الطويل يذعِنون الآخرين من أبناء السودان للخضوع والإندماج، ثم الإنصهار فى مؤسستهم الظالمة “على سُكَات”! دون أدنى إستعداد منهم للبحث الجاد فى حلول حقيقية للأزمات التى خلقوها بأنانيتهم المفرطة. وينظرون إلى نداءات الحلول العادلة بعيون مرتابة تخشى زوال النعيم (السُحت) الذى رفلوا فيه سنين عدداً، فما اصعب الفطام على من مارسَ الرِضاع دهراً.
وأقول فى هذا الجزء الثانى، أن الدرجة الأعلى من أضرار العنصرية والأنانية تتحقق عندما ترتبط بالسياسة العامة ونظام الحكم، وكراهية الآخر الشريك فى الوطن وتحقيره بلا سبب غير رفضه للظلم ومطالبته بالعدل.
تطورت العنصرية والأنانية فى السودان بعد خروج الإنجليز لتلبس ثوب الدولة وتسكنُ فى سياساتها وجهازها، وصارت لغتها التى تتحدث بها.. تشكَّلت العنصرية فى مظاهر أعمق وأخطر وأحدث، وذلك بخروجها من ضيق الإنتماء العرقى والجهة الجغرافية إلى رحاب سياسات الدولة وتنظيمات المجتمع الرسمى والمدنى والأهلى.
قامت الحكومات السودانية جميعها دون فرز، بتجميل العنصرية والأنانية بمساحيق خادعة وبرَّاقة وفرضتها، قسراً، كثقافة وآجبة الإتباع لجميع شعوب السودان إن شاءوا العيش فى السودان. بمعنى أن الحكومات السودانية المتعاقبة قد إعادت انتاج شعوب السودان فى ثقافة وقناعة ومصلحة المركز وأجبرتهم على التماهى فيها. فألصقوا بقية شعوب السودان بجدار هوية وثقافة المركز الزائف. إستنساخاً لإلتصاقهم هُمْ أهل المركز السودانى بالجدار الخارجى لهوية وثقافة العرب، وتماهيهم فيه. كأنهم يعاقبون شعوب السودان تعويضاً لأنفسهم من المهانة وهدر الكرامة الإنسانية التى يعانونها بإلتصاقهم الطوعى بهوية وثقافة لا يمتُّون إليها بصلة. كأنهم يقولون لشعوب السودان الآخرين، علّىَ وعلى أعدائى. هُمْ بذلك يعوِّضون أنفسهم من بقية شعوب السودان بكل “سادية” الثمن الباهظ الذى دفعوه وهم يعيدون انتاج أنفسهم فى هوِّية وهمية وثقافة غريبة.
أكرر، بعد أن تماهى أهل المركز السودانى فى هوية غريبة غير متحققة الشرائط، وتبنُّوا ثقافة دخيلة على شعوب السودان، لم يكتفوا بخطل تلك الأفعال الغبيِّة، لكنهم فرضوا تلك الهوية المتوهَّمَة، وبِنتُها الثقافة الزيف على عموم شعوب السودان من خلال كل شيئ: فرض اللغة، ومناهج التعليم وأجهزة الإعلام وعموم جهاز الدولة، وقننوا ذلك بتشريعات وقوانين ألصقوا بموجبها السودان إلى مؤسسات إقليمية ودولية لا تمت لشعوب السودان بصلة، مثل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامى، وتنظيم القاعدة و”داعش” ورهنوا شعوب السودان بتلك الرهونات الباطلة، باهظة الثمن.
ماذا كانت النتيجة؟
قدموا السودان للعالم على أنها دولة عربية مُسلِمة وبالتالى، صار للسودانيين غير العرب، ثلاثة خيارات: أمّا أن يتركوا السودان وتذهبوا إلى مكان آخر من هذا الكوكب يبحثون فيه عن ذاتهم وهويتهم. أو أن يعيدوا انتاج أنفسهم وتشكيلها لمواكبة كونهم عرب سودانيون. أو أن ينتفضوا لتحرير السودان أرضاً وشعباً من هذا الخطف والأسر الباطل والظالم.
ولمّا كان الخيار الأول مستحيلاً لأن السودانيون غير العرب هم شعوب أصلية نبتوا من تراب السودان ولم يعرفوا الهجرة والرحيل. والخيار الثانى تم محاولات تطبيقه قسراً وقهراً لكنه فشل وخاب لأنه ضد طبيعة الأشياء، وضد إرادة الخالق عزَّ وجلّ! لأن الله القادر المُرِيد كان بإستطاعته خلق السودانين عرباً أو فرس أو ساكسون، لكنه خلقهم سودانيون لحِكمةٍ يعلمها هو المُريد! ولا يحق لأحدٍ من خلقه العُصَاة، مهما تماهى وأُستُلِب، أن يقرر شيئاً فى خلقِ الله بالمخالفة لإرادته.. وكان الخيار الثالث هو الخيار فى خاتمة المطاف، المناهضة والمقاومة والتحرر والإنعتاق.
نعم التحرر والإنعتاق، لأن الذى قام به أهل المركز هو إستعباد لأهل السودان وسلب لحريتهم وكرامتهم الإنسانية وجعلهم عبيداً لا إرادة لهم ولا حقوق، كالأنعام وأضلَّ سبيلاً. فحَقّ على أهل السودان الثورة لإسترداد حريتهم وكرامتهم من أهل المركز. وكل من يقول خلاف ذلك منتفع من الراهن الماثل، أو متلذذ ومستمتع بالعبودية.
وبهذه المناسبة العبودية مريحة جداً للعبد لأنه ليست له أعباء صعبة من تخطيط ووضع سياسات وتفكير وحماية ومقاومة، العبد مسئولياته بسيطة ومريحة تتلخص فى التنفيذ المطلق لأوامر سيده وخدمة مصالحه، مهام بسيطة ومُريحة!
مثال العبيد السعداء بخدمة سادتهم: أنظر إلى الوزراء والولاة “الهامشيين” من أبناء السودان خارج المركز فى الحكومات المتعاقبة، وانظر إلى الأدوار الموكلة للجنجويد وقوات الدعم السريع والمنشقين من حركات التحرر، وغيرهم ممن خضعوا لحكم المركز وقبلُوا بعبوديته لهم.
هذا الواقع المُخجِل جعل من جميع السودانيين، عرب وغير عرب، مسخاً مشوَّهَاً. فلا عرب السودان صاروا عرباً حقيقيون يعترف بعروبتهم ونقاء عِرقهم عرب الجزيرة العربية لبّ العروبة ومركز منح شهادتها، ولا صار بقية سكان السودان غير العرب سودانيون أحرار فى أرضهم و وطن أجدادهم. والسبب هو سرطان العروبة التى أصابت السودان، وفاقد الشيئ لايعطيه!
وعليه، صار الفريقين: عرب السوان وغير العرب الذين فرِضَت عليهم عروبة زائفة فى مأزق، كالخفَّاش الذى هو من الثديات ويدَّعِى الإنتماء إلي مملكة الحيوان، ولكنه طائر فى نفس الوقت!
هكذا السودان أرض غنية بالموارد، وشعوب عظيمة ضاربة بجذورها فى هذا التُراب، ضيَّعَهم أدعِياء أنانيون قدِمُوا إليه بليلٍ بهِيم.
أنواع العنصرية فى السودان متعددة، بدأت بالعنصرية العرقية يوم خروج المستعمر الأجنبى، وكانت فى نفس الوقت عنصرية جهوية/ إقليمية لم تشمل حتى”أعراب” أقاليم السودان الأخرى فى قسمة الثروة والسلطة وجهاز الدولة (لو كان هناك عرب أقحاح دخلوا السودان، فليسوا هم عرب الشمال النيلى الذين يرجح أنهم نتاج إختلاط أجناس أفريقية جاءوا من الهضبة الإثيوبية بالنوبة وبقية السودانيين أيام حضارتى مروى وكوش).
هذه العنصرية العرقية، الإقليمية والجهوية، ورَثَت الدولة السودانية وجهازها من الإنجليز فى مؤامرة تمت بين الطرفين سُمِّيَت بـ “الإستقلال”، ولم تكن إستقلالاً أبداً، لكنها شيئ آخر.
يُعَاب على هذا النمط الأول من العنصرية فى السودان أنها إنتهت إلى أن إستأثر أبناء إقليم واحد بحكم السودان على مستوى السلطة، وإنفردوا بمواردها المادية على مستوى الثروة، وهيمنوا على جهاز الدولة دون أبناء الأقاليم الأخرى، وقبل هذا وذاك شوهوا هوية السودان وإختزلوه فى هوية مزيفة لا تُعبِّر عن حقيقتهم هُمّْ، دعك من هوية شعوب السودان الأخرى.
المرحلة الثانية من العنصرية فى السودان هى الإنتقال من رابطة العرق والإقليم إلى مرحلة الفكر والرؤى والبرامج السياسية عبر تنظيمات سياسية (أحزاب) وأخرى فئوية، نقابات وجمعيات ثقافية ومهنية، وروابط ترفد أجهزة الدولة والمجتمع.. قامت جميعها بذات معادلة إقتسام السلطة والثروة غداة خروج الإنجليز، بحيث تم تبنِّى سيناريو قوامه تحول العنصريون العرقِيون إلى عنصريين سياسيين وعنصريى مجتمع مدنى بنفس قواعد العنصرية العرقية/ الإقليمية، فى إطار تطور طبيعى Process.
ولتسهيل فهم هذه المرحلة، تحول العنصريون الأوائل إلى قادة أحزاب سياسية ورجال دولة وزعماء طوائف دينية، وطلائع سلطة، و”أفندية” خدمة مدنية، و روابط متعلمين ومثقفين (نادى الخريجين).. وتملَّكوا كل هذه الشرائح المجتمعية المهمة ملكية عين، ومارسوا أقسى درجات العنف ضد أى شخص من خارج هذه العصبة العنصرية يجرؤ على النهوض لإعلان نفسه زعيماً أو قائداً لأى تنظيم سياسى أو مجتمعى.
مثال قمع بقية أبناء السودان، تلك البيانات العنصرية التى خرجت ضد قادة حركة 1924م التى قادها أبطال حقيقيون من أبناء السودان القديم بقيادة ضابطين هما: على عبد اللطيف وعبد الحفيظ الماظ! عنف لفظى رهيب وتآمر أدى إلى إستشهاد أولئك الأبطال ممسِكين بمدافعهم يذودون عن فكرة سودان حقيقى وأفضل وأعدل كانوا يحلمون به. وأى حديث من هؤلاء العنصريين فى تمجيد وتأييد أبطال ثورة 1924 هو نفاق وهُرَاء كاذِب أشتُهِرُوا به أباً عن جد.
تجنباً للإطالة أختم هذا الجزء بالقول أن تاريخ السودان وجغرافيته، ثقافته ونضالاته وجهاز دولته وعلماءه وكل من تبوأ منصباً منذ خروج الإنجليز هو تاريخ زائف قام على إلغاء وتعطيل وتغييب قسرى للغالبية العظمى من سكان السودان، ويقع باطلاً لأنه قام على باطلٍ ووَلَغَ فيه.
فلا الذين حكموا السودان (رؤساء وحكومات)عبر إنقلابات عسكرية بإستخدام مؤسسة الموت والدمار المسمى زوراً بالكلية الحربية هم رؤساء حقيقيون، ولا الذين تم انتخابهم للزعامة هم زعماء صادقون لكونهم جاءوا على ظهور مفاهيم ورؤى كاذبة ومضلِلة ومستوردة وغريبة على شعوب السودان.
لذلك، يمكن القول أنَّ السودان دولة لُوِّثَت أرضها البِكرة الخصبة بحرثِ بذور أفكار أجنبية غريبة، فأنبتت نباتاً خمطاً، غثاً وهزيلاً. مثال ذلك الأحزاب السياسية السودانية غالبيتها العظمى قائم بالوكالة عن أفكار مستوردة من الخارج لا تُنبِت الخير فى أرض السودان. “الكيزان” من مصر، والإتحادى قام على فكرة الإتحاد والإندماج مع مصر، وحزب الأمة من إيران، والشيوعى من روسيا، والبعث من سوريا والعراق .. إلخ.
وقلَّ ما تجد فكراً سياسياً نبت أصله فى السودان سِوَى الفكر الجمهورى الذى أبدعه الأستاذ العَالِم الشهيد/ محمود محمد طه.. ثم أفكار ورؤى وبرامج حركات التحرر الثورى الوطنى التى نشأت وتطورت مؤخراً لتخليص السودان من زيف الأفكار والأحزاب المستوردة التى تريد حكم السودان بالوكالة عن تنظيمات سياسية أجنبية، وبالبذور المُعدّلة وِرَاثِياً.
(فى جزءٍ ثالث، سأتناول نماذج العنصرية والأنانية فى السودان.)

شارك هذا الموضوع:

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*