وطن في زمن الطفولة

ﻛﻨّﺎ ﺃﻃﻔﺎﻻ ﻳﻠﻘﻨﻨﺎ ﺍﻟﻜﺒﺎﺭ ﺃﺣﻼﻣﻬﻢ، ﻭﺑﺒﺮﺍﺀﺗﻨﺎ ﻧﺘﻄﻠﻊ ﺍﻟﻴﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻬﺎ
ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻤﻄﻠﻘﺔ، ﻭﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﻤﺠﺮﺩ … ﻛﻴﻒ ﻻ ﻭﻫﻢ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﺍﻟﻰ
ﻣﺒﺘﺪﺋﻲ ﺣﻴﺎﺓ، ﺑﻮﺍﺑﺔ ﺍﻟﻌﺒﻮﺭ، ﻧﻘﻒ ﻋﻨﺪ ﺣﺎﻓﺘﻬﺎ ﺑﻘﻠﻮﺏ ﺟﺎﻣﺤﺔ ﻭﻋﻴﻮﻥ
ﻣﺘﺸﻮﻗﺔ، ﺭﺍﺟﻴﻦ ﺍﻥ ﻧﺮﺗﺸﻒ ﻣﻦ ﻛﺆﻭﺳﻬﻢ ﻭﺍﻗﻌﻨﺎ ﺍﻟﻤﺤﺘﻮﻡ. ﻭلكن
ﺃﺧﺒﺮﻭﻧﻲ ﻋﻦ ﻭﻃﻨﻲ … ﻗﺎﻟﻮﺍ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮ، ﻭﻧﺴﻮﺍ، ﺃﻭ ﺭﺑﻤﺎ ﺗﻨﺎﺳﻮﺍ ﺍﻷﻛﺜﺮ،
ﻭﻟﻴﺘﻬﻢ ﻟﻢ ﻳﻔﻌﻠﻮﺍ. طفل ﻛﻨﺖ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻘﻠﻮﺍ ﺇﻟﻲ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺑﻨﻜﻬﺔ ﺃﻣﺎﻧﻴﻬﻢ، ﻓﻜﺎﻧﺖ ﻧﺎﻗﺼﺔ ﻏﻴﺮ ﻣﻮﺿﻮﻋﻴﺔ، ﺃﻭ ﻟﻨﻔﻮﺭﻫﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﺤﻘﺔ، ﺍﺧﺘﻠﻘﻮﺍ ﺃﺧﺮﻯ، ﻓﻜﺎﻧﺖ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺮﻏﻢ ﻣﻦ ﺗﻤﺮﺩﻫﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ، ﺗﻌﺠﺰ ﻋﻦ ﻋﻜﺴﻪ ﻭﻫﻜﺬﺍ ﻛﺒﺮﻧﺎ، ﻣﺘﺴﻠﺤﻴﻦ ﺑﺤﻘﺎﺋﻖ ﻭﺭﺩﻳﺔ ﺗﻔﻘﺪ
ﻋﺬﺭﻳﺘﻬﺎ ﺳﺮﻋﺎﻥ ﻣﺎ ﺗﺮﻣﻴﻨﺎ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﻋﻠﻰ ﻣﺸﺎﺭﻓﻬﺎ، ﻭﻟﺤﻈﺔ ﻳﻘﺮﺭ ﺍﻟﻮﺍﻗﻊ ﺍﻥ ﻳﺘﻜﺸﻒ ﻋﻦ ﻣﻼﻣﺤﻪ ﻟﻠﻌﻠﻦ … ﻛﻨﺖ طفل ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺃﺧﺒﺮﻭﻧﻲ، ﻭﺍﻟﻔﺨﺮ
ﻳﻤﻸ ﺻﺪﻭﺭﻫﻢ، ﻋﻦ ﺍﻟﺘﻀﺤﻴﺔ ﻟﻠﻮﻃﻦ، ﻭﻟﻜﻦ ﻛﺒﺮﺕ ﻷﺭﻯ ﺃﻣﺎﻣﻲ ﺍﻟﺘﻀﺤﻴﺔ
ﺑﺎﻟﻮﻃﻦ ﻭﺑﻤﻦ ﻳﻀﺤﻲ ﻓﻲ ﺳﺒﻴﻠﻪ، ﻭﻷﺭﻯ ﺍﻟﺘﻀﺤﻴﺔ ﺗﺮﺿﺦ ﻟﻤﺼﺎﻟﺢ ﺿﻴﻘﺔ
ﻓﺘﺠﺰّﺃ ﻭﺗﻮﺯّﻉ ﻓﻲ ﺧﺎﻧﺎﺕ ﺗﺤﺖ ﻋﻨﺎﻭﻳﻦ ﺭﺧﻴﺼﺔ ﻟﺘﺒﺎﻉ ﻓﻲ ﺳﻮﻕ ﺍﻟﻨﺨﺎﺳﺔ … ﻭﻛﻢ ﺗﻐﻨّﻮﺍ ﺃﻣﺎﻣﻲ ﺑﺎﻟﺤﺮﻳﺔ، ﻭﻛﻴﻒ ﻛﺎﻥ ﻟﻲ ﺃﻥ ﺃﻛﺘﺸﻒ ﺃﻥ ﺣﺮﻳﺘﻲ ﻓﻲ ﻭﻃﻨﻲ ﺗﺴﺎﻭﻱ ﺇﺭﺍﺩﺗﻲ ﺑﺎﻟﻼﻣﻌﺮﻓﺔ، ﻟﻜﻦ ﻓﻲ ﻗﺎﻧﻮﻥ ﺍﻟﻤﻨﻄﻖ، ﺍﻟﺤﺮﻳﺔ ﺍﻟﻤﺘﻮﻫﻤﺔ ﻭﺟﻬﻠﻲ ﺑﺤﺎﻟﺔ ﺍﻟﻌﺒﻮﺩﻳﺔ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﺑﺪﺍً ﺃﻥ ﻳﺴﺎﻭﻳﺎ ﺣﺮﻳﺘﻲ … ﻓﻘﺪ ﻛﺒﺮﺕ ﻷﺭﻯ ﺃﻥ ﺧﻴﺎﺭﺍﺗﻲ ﻓﻲ ﻭﻃﻨﻲ ﻣﺤﻜﻮﻣﺔ
ﺑﺘﺮﺗﻴﺒﺎﺕ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍﻟﻨﻔﻮﺫ، ﻓﺈﻣﺎ ﺃﻥ ﺗﺘﻤﺎﺷﻰ ﻣﻌﻬﺎ ﺃﻭ ﻻ ﺗﺪﺧﻞ ﺣﻴِّﺰ
ﺍﻟﻔﻌﻞ ﺑﺄﻱ ﺷﻜﻞ، ﻓﺄﻛﻮﻥ ﺻﺎحب ﻗﺮﺍﺭ ﺷﻜﻠﻲ ﻓﻲ ﻭﻃﻦ ﺍﻓﺘﺮﺍﺿﻲ ﻭﺇﻧﻲ ﻋﻠﻰ ﻳﻘﻴﻦ ﺃﻧﻪ ﻣﻬﻤﺎ ﺑﻠﻎ ﺗﺠﺎﻫﻠﻲ ﻟﻠﻘﻴﻮﺩ ﻻ ﻳﻌﻨﻲ ﻋﺪﻡ ﻭﺟﻮﺩﻫﺎ ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺤﻘﻮﻕ ﻓﻤﻮﺿﻮﻉ ﺁﺧﺮ . ﻭﻃﻨﻲ ﻭﻃﻦ ﺍﻟﻌﺪﻝ ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻀﻴﻊ ﻓﻴﻪ ﺣﻖ ﻟﺼﺎﺣﺒﻪ، ﻭﺍﻟﻈﺎﻟﻢ ﻓﻴﻪ ﻻ ﻳﻨﻮﺑﻪ ﺳﻮﻯ ﺳﻮﺀ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﺖ ﺃﻳﺪﻳﻪ، ﻭﺣﻴﻦ ﻛﺒﺮﺕ، ﺭﺃﻳﺖ ﻛﻴﻒ ﻳﻀﻴﻊ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﺻﺎﺣﺒﻪ ﻓﻲ ﺩﻭﺍﻣﺔ
ﺍﻟﻤﺤﺴﻮﺑﻴﺎﺕ ﻭﻋﻠﻤﺖ ﺍﻥ ﺍﻟﺤﻖ ﻟﻴﺲ ﺇﻻ ﻣﻠﻜﺔ ﺗﻤﻨﺢ ﻧﺴﺒﺔ ﺇﻟﻰ ﻫﻮﻳﺔ ﺍﻭ ﺍﻧﺘﻤﺎﺀ ﻣﻌﻴﻨﻴﻦ، ﺃﻣﺎ ﺍﻟﻈﺎﻟﻢ ﻓﻴﺠﻨﻲ ﺛﻤﺮ ﻣﺎ ﻟﻢ ﻳﺰﺭﻋﻪ ﻭﻳﺄﻛﻞ ﻃﻴﺐ ﺍﻟﺠﻨﻰ ﻭﻭﺣﺪﻩ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺤﺼﺪ ﺍﻣﺘﻴﺎﺯ ﺗﺠﺴﻴﺪ ﺍﻟﺤﻖ ﻭﻣﻨﺤﻪ …ﺭﻭﻭﺍ ﻟﻲ ﻋﻦ ﻫﻮﻳﺘﻲ، ﻫﻮﻳﺔ سودانية ﺗﻨﺒﺾ ﺑﻘﻀﻴﺔ ﻋﻈﻤﻰ ﻣﺸﺘﺮﻛﺔ ﺗﺴﺮﻱ ﻓﻲ ﺍﻋﻤﺎﻕ ﻛﻞ ﺍﺑﻦ ﻭﻃﻦ ، ﻭﻛﺒﺮﺕ ﻋﻠﻰ ﺃﻣﻞ ﺍﻻﻟﺘﺤﺎﻕ
ﺑﺼﻔﻮﻑ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ، ﻓﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻣﻨﻲ ﺇﻻّ ﺃﻥ ﻭﺟﺪﺗﻬﺎ ﻗﺪ ﺑﻴﻌﺖ ﻣﻨﺬ ﺯﻣﻦ، ﻟﻢ ﺃﻛﻦ ﺃﻋﻠﻢ ﺃﻥ ﺭﻭﺡ ﺍﻟﻮﻃﻦ ﺍﻟﺘﻲ ﺯﺭﻋﻮﻫﺎ ﻓﻲ ﺩﺍﺧﻠﻲ ﻗﺪ ﺍﻏﺘﻴﻠﺖ ﻣﺴﺒﻘﺎً ﻭﻗﻄﻔﺘﻬﺎ ﻟﻌﻨﺔ ﺍﻟﺘﺒﻌﻴﺔ ﻷﻏﺪﻭ ﺃﺑﺤﺚ ﻋﻦ ﻫﻮﻳﺘﻲ ﺑﻴﻦ ﻣﻌﺴﻜﺮﺍﺕ ﺍﻟﺪﻭﻝ ﻭﺍﻛﺘﺸﻒ ﺃﻧﻲ ﻏﺪﻭﺕ ﺭﻗﻤﺎً ﺑﻼ ﺍﺳﻢ … ﻭﻟﻌﻞ ﺃﺣﺐ
ﺃﻗﺼﻮﺻﺔ ﻋﻠﻰ ﻗﻠﺒﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻄﺎﻝ ﺍﻻﻧﺴﺎﻧﻴﺔ، ﻓﻌﻠﻤﻮﻧﻲ ﻣﻨﻬﺠﻴﺔ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻵﺧﺮ، ﺇﻧﻄﻼﻗﺎً ﻣﻦ ﻣﻌﺎﻳﻴﺮ ﻓﻜﺮﻳﺔ ﻭﺃﺧﻼﻗﻴﺔ، ﻭﺃﻥ ﻣﻘﻴﺎﺱ ﻛﻞ ﺷﺨﺺ ﺃﻓﻌﺎﻟﻪ ﻭﻣﺎ ﻳﺒﺪﻳﻪ . ﻭﻟﻜﻦ ﻟﻸﺳﻒ ﻟﻢ ﻳﻠﺤﻈﻮﺍ ﺃﻥ ﻳﻠﻔﺘﻮﺍ ﺍﻧﺘﺒﺎﻫﻲ ﺍﻟﻰ ﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﻨﻬﺠﻴﺔ ﺗﻔﻘﺪ ﺻﻼﺣﻴﺎﺗﻬﺎ ﺍﻣﺎﻡ ﺳﻄﻮﺓ ﺍﻟﻄﺎﺋﻔﻴﺔ ﻭﺍﻟﻤﺬﻫﺐ، ﻭﺃﻧﻲ ﻭﻟﻜﻲ ﺃﺳﺘﺤﻖ ﺷﺮﻑ ﺍﻻﻧﺘﻤﺎﺀ ﺍﻟﻰ ﻃﺎﺋﻔﺘﻲ ﻋﻠﻲ ﺃﻥ ﺃﻋﺎﻳﻦ ﺃﻭﻻ، ﻭﺃﺗﻄﻔﻞ، ﻋﻠﻰ ﻋﻼﻗﺔ ﺍﻵﺧﺮ ﺑﺮﺑﻪ ﻭﺃﺩﻗﻖ ﻓﻲ ﻣﺎ
ﺇﺫﺍ ﻛﺎﻥ ﻣﻦ ” ﺻﻨﻒ ﺁﺧﺮ “، ﺣﻴﻨﻬﺎ ﻓﻘﻂ ﺗﺤﺪﺩ ﻋﻤﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻮﺍﺻﻞ …ﻟﻢ ﻳﻨﺒﻬﻮﻧﻲ ﺃﻧﻨﻲ ﻳﻮﻣﺎً ﻣﺎ، ﻭﺍﻧﻄﻼﻗﺎً ﻣﻦ ﻣﺒﺪﺃ ﺍﻻﻧﺴﺎﻧﻴﺔ ﺍﻟﺬﻱ ﻟﻘﻨﻮﻧﻲ ﺇﻳﺎﻩ، ﻗﺪ ﻳﻘﻊ ﺍﺧﺘﻴﺎﺭﻱ ﻋﻠﻰ ﺍﺑﻦ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﺍﺧﺮﻯ، ﻭﺃﻥ ﺍﻧﺴﺎﻧﻴﺘﻨﺎ ﻫﺬﻩ ﻟﻦ ﺗﺸﻔﻊ ﻟﻨﺎ ﺍﻣﺎﻡ ﺣﻜﻢ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ ﺍﻟﺬﻱ ﻓﺘﻜﺖ ﻓﻴﻪ ﺍﻻﻧﻘﺴﺎﻣﺎﺕ ﺣﺘﻰ ﺃﻫﻠﻜﺘﻪ، ﻭﻻ ﻧﺒﻬﻮﻧﻲ ﺃﻳﻀﺎً ﺍﻟﻰ ﺃﻥ ﺃﻛﻮﻥ ﺑﻤﻮﺿﻊ ﺍﻟﻼﺋﻢ ﺃﻭ ﺍﻟﻤﻤﺘﻦ، ﻓﻬﻞ
ﺃﻟﻮﻣﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﺧﻴﺒﺔ ﻣﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﺘﺄﺗﻲ ﺇﻻ ﺑﻌﺪ ﻛﺒﻴﺮ ﺍﻵﻣﺎﻝ؟ ﺃﻭ ﺃﺷﻜﺮﻫﻢ
ﻋﻠﻰ ﺗﻀﻤﻴﺪ ﺟﺮﺍﺡ ﻭﻃﻦ ﻣﺠﺮﻭﺡ ﻣﻮﺟﻮﻉ ﺑﺮﻭﺍﻳﺎﺕ ﺗﻌﻴﺪ ﺇﻟﻴﻪ ﺑﻀﻌﺔ ﺭﻭﺡ،
ﺑﻀﻌﺔ ﻣﺠﺪ ﻭﺑﻄﻮﻟﺔ. ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺃﺣﺒّﻪ ﻭﺳﺄﺣﺒﻪ ﺃﺑﺪﺍً، ﻭﻃﻨﺎً ﻋﺎﻟﻘﺎً ﻓﻲ
ﺍﻟﻄﻔﻮﻟﺔ

شارك هذا الموضوع:

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*